العيني

17

عمدة القاري

فهو أن الراوي ذكره معه كما سمعه معه ، وقال الكرماني : متابعة الأنبياء موجبة للخلاص ، كما أن في هذا التحاكم خلاص الكبرى من تلبسها بالباطل ووباله في الآخرة ، وخلاص الصغرى من ألم فراق ولدها ، وخلاص الابن من القتل ، وتمام الحديث الأول هو قوله : فجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الفرائض عن أبي اليمان أيضاً . وأخرجه النسائي في القضاء عن عمران بن بكار وعن المغيرة بن عبد الرحمن . ذكر معناه : قوله : ( مثلي ومثل الناس ) ، بفتح الميم أي : صفتي وحالي وشأني في دعائهم إلى الإسلام المنقذ لهم من النار ، ومثل ما تزين لهم أنفسهم من التمادي على الباطل كمثل رجل . . إلى آخره ، وهذا من تمثيل الجملة بالجملة ، والمراد من ضرب المثل الزيادة في الكشف والتنبيه للبيان . قوله : ( استوقد ناراً ) أي : أوقد ناراً ، يؤيده ما وقع في رواية مسلم وأحمد من حديث جابر : مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً ، وقال بعضهم : زيادة السين والتاء للإشارة إلى أنه عالج إيقادها وسعى في تحصيل آلاتها . قلت : معنى الاستفعال الطلب ، ولكن قد يكون صريحاً نحو : استكتبته ، أي : طلبت منه الكتابة ، وقد يكون تقديراً نحو استخرجت الوتد من الحائط ، وليس فيه طلب صريح ، واستوقد ههنا من هذا القبيل ، والنار جوهر لطيف مضيء محرق حار والنور ضوؤها . قوله : ( الفراش ) ، بفتح الفاء وتخفيف الراء وفي آخره شين معجمة ، قال الخليل : يطير كالبعوض ، وقيل : هو كصغار البق ، وقال الفراء : هو غوغاء الجراد الذي يتفرش ويتراكم ويتهافت في النار . قوله : ( وهذه الدواب ) ، عطف على الفراش ، وهو جمع دابة ، وأراد بها هنا مثل البرغش والبعوض والجندب ونحوها . قوله : ( تقع في النار ) خبر : جعل ، لأن جعل ، من أفعال المقاربة يعمل عمل : كان ، في اقتضائه الاسم والخبر . وقال النووي : إنه صلى الله عليه وسلم شبه المخالفين له بالفراش وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم ، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه ، وقال ابن العربي : هذا مثل كثير المعاني ، والمقصود : أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة ، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة ، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يصحبه من الضياء ، وقد قيل : إنها لا تبصر بحال وهو بعيد جداً . قوله : ( وقال كانت امرأتان ) ، ليس فيه تصريح برفعه وهو مرفوع في نسخة شعيب عند الطبراني وغيره ، وفي رواية النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب : حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدث عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : بينا امرأتان . قوله : ( فتحاكما ) وفي رواية الكشميهني : فتحاكمتا ، وفي نسخة شعيب : فاختصما . قوله : ( فقضى به للكبرى ) ، أي : للمرأة الكبرى ، قيل : إن ذلك كان على سبيل الفتيا منهما لا الحكم ، فلذلك ساغ لسليمان أن ينقضه ، ورده القرطبي بأن فتيا النبي صلى الله عليه وسلم كحكمه وهما سواء في التنفيذ . فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك ، فكيف جاز لسليمان نقض حكم داود ؟ قلت : إن كان حكمهما بالوحي فحكم سليمان ناسخ لحكم داود ، وإن كان بالاجتهاد فاجتهاده كان أقوى لأنه بالحيلة اللطيفة أظهر ما في نفس الأمر ، وقال الواقدي : إنما كان بينهما على سبيل المشاورة ، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه ، وقيل : إن من شرع داود ، عليه الصلاة والسلام ، الحكم للكبرى من حيث هي كبرى . ورد بأن هذا غلط ، لأن الكبرى والصغرى وصف طردي محض لا يوجب شيء من ذلك ترجيحاً لأحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه ، وكذلك الطول والقصر والسواد والبياض ، وقال النووي : إن سليمان فعل ذلك تحيلاً على إظهار الحق فلما أقرت به الصغرى عمل بإقرارها وإن كان الحكم قد نفذ ، كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه ، وقال ابن الجوزي : وإنما حكما بالاجتهاد إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه ، وهو دال على أن الفطنة والفهم موهبة من الله تعالى ولا التفات لقول من يقول : إن الإجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص ، والأنبياء ، عليه الصلاة والسلام ، لا يفقدون النص ، فإنهم متمكنون من استطلاع الوحي وانتظاره ، والفرق بينهم وبين غيرهم قيام العصمة بهم عن الخطأ وعن التقصير في الاجتهاد ، بخلاف غيرهم . قوله : ( لا تفعل يرحمك الله ) ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق ورقاء عن أبي الزناد : لا يرحمك الله ، قال القرطبي : ينبغي أن يكون على هذه